أبي منصور محمد بن أحمد الأزهري
145
تهذيب اللغة
قال : وهكَذا قوله لملائِكَتِهِ : ( إِنِّي خالِقٌ بَشَراً مِنْ طِينٍ * فَإِذا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي ) [ ص : 71 ، 72 ] ومثله ( وَكَلِمَتُهُ أَلْقاها إِلى مَرْيَمَ وَرُوحٌ مِنْهُ ) [ النِّساء : 171 ] والرُّوحُ في هذا كلِّه خَلْقٌ من خلْق اللَّه لم يُعْطِ علمه أحداً . وأخبرني المنذريّ عن أبي العباس أحمد بن يحيى أنه قال في قول اللَّه جلَّ وعزَّ : ( وَكَذلِكَ أَوْحَيْنا إِلَيْكَ رُوحاً مِنْ أَمْرِنا ) [ الشّورى : 52 ] قال : هو ما نَزَل به جبريل من الدّين فصار يُحْيِ به الناسَ ، يعيشُ به الناسُ . قال : وكلُّ ما كان في القُرآن فَعَلْنَا فهو أَمْرُه بأعْوانه أَمَرَ به جبريلَ وميكائيلَ وملائكتَه ، وما كان فعلْتُ فهو ما تفرَّد به . قال : وأمَّا قوله ( وَأَيَّدْناهُ بِرُوحِ الْقُدُسِ ) * [ البَقَرَة : 87 ] فهو جبريلُ عليه السلام . وقول اللَّه : ( يَوْمَ يَقُومُ الرُّوحُ وَالْمَلائِكَةُ صَفًّا ) [ النّبَإ : 38 ] قال ابن عباس : الرُّوح مَلَكٌ في السَّماء السابِعة وَجْهُه على صُورَةِ الإنسان وجَسَدُهُ على صُورَةِ الملائكة . وجاء في التفسير أن الرُّوحَ هَهُنا جِبْرِيلُ . قال وقال ابن الأعرابيّ : الرُّوْح الفَرَحُ ، والرُّوح القرآنُ ، والرُّوح الأَمْر ، والرُّوح النفْس . ويقال : هذا الأمر بيننا رَوْحٌ ورِوَحٌ وعَوَرٌ إذا تَرَاوَحُوه وتعاوَرُوه . قال أبو العباس : وقوله جلَّ وعزَّ : ( يُلْقِي الرُّوحَ مِنْ أَمْرِهِ عَلى مَنْ يَشاءُ مِنْ عِبادِهِ ) [ غَافر : 15 ] وقوله ( يُنَزِّلُ الْمَلائِكَةَ بِالرُّوحِ مِنْ أَمْرِهِ ) [ النّحل : 2 ] هذا كله معناه الوحْيُ ، سُمِّي رُوحاً لأنه حياةٌ مِنْ مَوْتِ الكُفْرِ فصار يَحْيَا به النَّاسُ كالرُّوح الذي يَحْيَا به جَسَدُ الإنسان . وقوله ( فرُوح وريحان ) [ الواقِعة : 89 ] على قراءة من قَرأَ بضَم الرّاء ، فتفسيرُه فحياةٌ دائِمَةٌ لا موتَ مَعَها . ومن قال « فَرَوْحٌ » فمعناه فاستِرَاحَةٌ . وأمَّا قول اللَّه جلَّ وعزَّ : ( وَأَيَّدَهُمْ بِرُوحٍ مِنْهُ ) [ المجَادلة : 22 ] فمعناه بِرَحْمَةٍ منه ، كذلك قال المفسرون . وقد يكون الرَّوْح أيضاً بمعنى الرَّحْمَة قال اللَّه جلَّ وعزَّ : ( وَلا تَيْأَسُوا مِنْ رَوْحِ اللَّهِ ) [ يوسف : 87 ] أي من رحمة اللَّه ، سمّاها رَوْحاً ؛ لأن الرَّوْح والرَّاحَةُ بها . قلت وكذلك قول اللَّه جلَّ وعزَّ في عيسى : ( وَرُوحٌ مِنْهُ ) [ النِّساء : 171 ] أي رحمةٌ منه تبارك وتعالى . والرُّوح في كلام العَرب أيضاً النَّفْخُ ، سُمِّي رُوحاً لأنه يَخْرجُ من الروح ومنه قول ذي الرُّمَّة في نارٍ اقْتدحها وأمر صاحباً له بالنفخ فيها ، فقال : فقلتُ لَهُ ارْفَعْها إليكَ وأَحْيِها * بِرُوحِكَ واجْعَله لها قِيتَةً قدْراً أحْيِها برُوحك أي بِنَفْخِك . واجعله لها : الهاء للرُّوح لأنَّه مذكَّر في قوله واجعله . والهاء التي في قوله « لها » أي للنّار وهي مؤنَّثَة . وأمّا الرُّوحَانيُّ من خلْق اللَّه فإن أَبا داود المَصَاحفي رَوى عن النضر بن شميل في كتاب الحروف المفسَّرة من غريب الحديث أنه قال ، حدثنا عوف الأعرابيّ عن وَرْدان أبي خالد أنه قال : بلغَنَي أن الملائكةَ : منهم رَوحَانِيُّون ومنهم من خُلِقَ من النُّورِ .